السياسية جعلت الناس ، في جميع الأزمان مجانين أو
متوحشين أو خطرين ، وبكلمة واحدة ، فاقدي العقل . هذا ما يقوله الرأي الشائع.
و الحق أن لكل انحراف عقلي ، سببه ، ولا شيء يتم بلا علة . هذا ما يقوله الحس السليم. و من
هنا السؤال المحرج : لماذا ينبغي أن تزيغ عقول الناس بمجرد أن يعيشوا في مجتمع ؟
الجواب هنا يتخذ شكل صعود نحو وضع إمكان الهذيان الجماعي
و هو يبدأ بفحص خطابات الهذيان ( و هي اليوم أيدولوجية) وينتهي بفحص البنية
المنطقية لجماعة مستقرة. و ينتج من ذلك أن عدم إكتمال أية مجموعة مغلقة يحدد
الاستعمال الممكن لقابلية البشر للتصرف و الانتظام جماعياً . و هو ضغط ملزم يطلق
عليه التقليد النقدي صفة نظام.
يقول ريجيس دوبري طويلاً ما أخفت السياسية عني السياسي .
إنها تخفيه ، ليس بمعني ما يخفي القطار قطاراً آخر ، بل بمعني أن أي قطار يخفي
السكك التي يجري عليها . هناك مسافات كثيرة ، وشرعات كثيرة ، و لكن هنا سكة حديد
واحدة ، أو سكة صليب.
و هذا النقد للعقل السياسي ، إذ يثبت علي نحو مادي دقيق الطبيعة
الدينية للوجود الجماعي ، يكتشف ، في تطبيق التنظيم ، ثوابت يشكل مجموعها "
اللاشعور السياسي" للإنسانية ، أو بكلمة أفضل : حضورها الأبدي.
ويستطيع المؤلف أن يكرر قوله :" أنا لا أواجه خطر
أن أناقض ، بل خطر ألا أفهم "
عنوان الكتاب : نقد العقل السياسي
أسم المؤلف : ريجيس دوبريه
أسم المترجم: عفيف دمشقيه
دار النشر : دار
الآداب
مكان النشر : بيروت
سنة النشر : 1986
عدد الصفحات : 496
نوع الملف : PDF

